الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي
39
شرح الحلقة الثالثة
الإدانة والعقاب ؛ وذلك لأنّه لمّا كان قادرا على الفعل فالعقل يحكم عليه بوجوب الإطاعة والامتثال ، فلمّا عجّز نفسه باختياره كان هذا عصيانا أيضا وخروجا عن رسم العبوديّة والطاعة . ولا فرق في هاتين الحالتين من جهة تحقّق المعصية بالاختيار وعدم امتثال المأمور به بالاختيار ، وإن كانت القدرة في الحالة الأولى مسلوبة بالاختيار إلى انتهاء الوقت ، بينما في الحالة الثانية كانت بعد التعجيز مسلوبة لا بالاختيار . نعم ، هو الذي عجّز نفسه ، فلذلك يشتركان في كون القدرة زالت بالاختيار . وأمّا في الحالة الثالثة أي حالة طروء العجز فهنا صورتان : الأولى : أن يطرأ العجز من دون علم المكلّف به مسبقا ، وإنّما يفاجأ به اتّفاقا ، كما إذا كان لديه ماء للوضوء فجاءت الريح وأراقته ، فهنا لا يكون مدانا ولا مستحقّا للعقاب ؛ لأنّ سلب القدرة منه لم يكن باختياره ، وإنّما كان رغم إرادته والعقاب يدور مدار القدرة والاختيار . الثانية : أن يطرأ العجز في الأثناء ولكنّه مسبوق بعلم المكلّف به ، كما إذا علم بأن الماء سوف ينقطع في أثناء الوقت فتجاهل ولم يحصّل الطهارة أو لم يوفّر الماء لذلك . وبتعبير آخر : أخلّ بالمقدّمات فصار عاجزا ، فهنا يكون مدانا ومستحقّا للعقاب أيضا ؛ لأنّه باختيار صار عاجزا في الوقت . وعلى هذا يقال : ( إنّ الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقابا ) ، بمعنى أنّ المكلّف إذا صار مضطرّا وعاجزا بسبب سوء اختياره فإنّه يبقى مستحقّا للعقاب ، ولا منافاة بين هذا الاضطرار وبين استحقاقه للعقاب ؛ لأنّ الاختيار موجود في البين . وأمّا التكليف فقد يقال : إنّه يسقط بطروّ العجز مطلقا ، سواء كان هذا العجز منافيا للعقاب والإدانة أم لا ؛ لأنّه على أيّة حال تكليف بغير المقدور وهو مستحيل . ومن هنا يكون العجز الناشئ من العصيان أو التعجيز مسقطا للتكليف وإن كان لا يسقط العقاب . وعلى هذا الأساس يردف ما تقدّم من أنّ الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقابا بقولهم : ( إنّه ينافيه خطابا ) ، ومقصودهم بذلك سقوط التكليف . هل يسقط التكليف في الحالات الثلاث المتقدّمة أم لا ؟